أبي طالب المكي
387
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الحسد ، ووجد التناصر ، وعدم التظاهر ، وسقوط التكلف ، ودوام التآلف ، فإذا عدمت هذه الخصال ففي وجود أضدادها تقل المباينة . وقد قيل : من سقطت كلفته دامت صحبته وألفته ، ومن قلَّت مئونته دامت مودته . وقال علي عليه السلام : شرّ الأصدقاء من تكلف له . وقال يونس النبي عليه السلام لما زاره إخوانه ، فقدم إليهم خبز شعير وجز لهم من بقل كان زرعه وقال : لولا أنّ الله تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت لكم . وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أنا والأتقياء من أمتي براء من التكلف ، فجملة التكلف هو عمل ما لا نية للعبد فيه ، ودخول العبد فيما لا يعنيه وتعاطيه ما قد يكفيه ومع وجود الحسد وكمون الغل ، وهو ثبوت الحقد تكون المباينة ، وفي التطاول والتظاهر تقع المجانبة ، ومع الخبث والمكر تكون المنافرة ، وهذا كله يذهب الألفة وينقص المحبة ويبطل فضيلة الأخوة . وقال بعض أهل البيت : أثقل إخواني عليّ من أحتشمه ويحتشمني . وقال بعض السلف : كانوا لا يغتنمون ولا يحتشمون . وسئل الحسن عن الصديق الذي أكل ماله بغير إذن منه فقال : من استراحت إليه النفس وسكن إليه القلب ، فإذا كان كذلك فلا إذن له في ماله . وسئل ذو النون عن الأنس فقال : أن تأنس بكل وجه صبيح وكل صوت فصيح ، والله تبارك وتعالى فيما بينك وبين ذلك ، وإذا علمت أنّ أخاك يسر بأخذك من رحله وملكه ، أو علمت أنه لا يكره ذلك إن فعلته ، حل لك أن تأخذه ، وإن كان لم يأذن لك لأن علمك يقوم مقام إذنه ، وعلامة هذا منك انشراح صدرك بذلك ، وخفته على قلبك ، فذلك دليل على سروره به ، وعلى قياسه من علمت من الناس أنه يكره تناولك من ماله شيئا ، أو عرفته يبخل ضنانة بما في يديه ، فإني أكره لك أن تأكل من ماله شيئا وإن أذن لك بعد أن تعلم أنّ الأحب إليه أن لا تأخذ ، ففي الورع وإن أعطاك أن لا تقبل فإن بذله مع علمك بأمره لغو لا حقيقة له ، ودليل ذلك ضيق صدرك به ، ووجود الحشمة والوحشة في القلب ، فقد جاء في الأثر الإثم حواز القلب ، وجاء الإثم ما حاك في صدرك ، والبر حسن الخلق ، والبر ما سكنت إليه النفس واطمأن به القلب ، فقد جاءت هذه الألفاظ في أحاديث متفرقة ، وعلى ما ذكرناه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من لحم بريرة تصدق به عليها وكانت غائبة لما علم أنه يسرها ، فلم ينتظر إذنها فعلى ضد ذلك في القياس ما ذكرناه ، ونظر هاشم الأوقص إلى الحسن وهو يأكل من جون لبقال ، من هذه بسرة ومن هذه تينة ، فقال له : يا أبا سعيد ، تأكل من مال الرجل بغير إذنه فقال : يا لكع ، أتل عليَّ آية الأكل ، ثم قرأ الحسن * ( ولا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا من بُيُوتِكُمْ ) * [ النور : 61 ] إلى قوله تعالى : * ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) * [ النور : 61 ] . وقد كان أصحاب محمد بن واسع وفرقد السنجي يدخلون منزله فيأكلون من